Register Login

اللغة العربية بين القاصِي والدَّاني

فريق منصة العربية العالمية

55
     

اللغة العربية بين القاصِي والدَّاني

أحمد درويش مؤذن

كانتْ وستبقى عِشْقِي الأولَ، رُوحها من قبس الذكر الحكيم، وقوامها من حديث النبي الكريم، جميلة في بهائها، مُضرَّجة بحسن بلاغها، تبهرُ الناس بروعة بيانها، لن تفي الكلماتُ حتى بوصفِ كمَالها، لا تذهبوا بعيداً فأنا لا أتحدثُ إلا عن لغةٍ لها الصَّدارةُ بأنْ تتربَّعَ العالم ولو بعد حين.

 سألتُ نفسي كثيراً - بعد اطلاعي على بلاغتها ونحوها وصرفها وأدبها إطلاعَ مُتَعلِّمٍ لَـهــِمٍ ولا يزال-كيف أُعَلِّمها لغير الناطقين بها؟ فنحن العربُ أحياناً قد نقفُ مذهولين من روعة العبارة ودقتها وتفنُّنِها في إيصال المعنى، فما بالك بغير الناطق بها!.

لكن هُنا كانتْ المفاجئة، فهي ليستْ بحاجةٍ إلينا بل نحن بحاجة لها، فكلَّما ابتعدنا عنها أدركنا مدى الانحطاط والهوان الذي يُصيب أُمَّتَنا العربيةَ والإسلاميةَ، وكلَّما اقتربَ منها غيرُنا أدركَ مدى أهميتها وفضلها في صناعة الحضارة رغم تعدُّد أطيافهم وأعراقهم.

مرَّةً سألني أحدُ طلَّابي الأتراك في الجامعة التي أُدرِّس فيها العربية، فقال لي: يا أستاذ – بلكنته التركية الجميلة- هل تحبُّون أنتم العرب لُغتكم العربية كما نُحبُّها نحن، فو الله عندي والدي قال لي يوماً: "أدفعُ نصفَ مالي في هذه الدُّنيا لأتعلمَ اللغة العربية وأفهم القرآن الكريم، فنحنُ المسلمون بحاجة للرجوع للقرآن ولا نستطيعُ الرجوع إليه إلا بتعلُّم العربية". فكان جوابي له اقتباساً من قوله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه،ُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ). وشرحت له الآية وقلت له: طبعاً نُحبُّها وسنبقى نُحبُّها إلى يوم القيامة.

وأتبعتُ له سارداً: كيف لا نُحبُّها وهي أصلُ اللغاتِ ومستودعُنا وتاريخُنا وحضارتُنا، وكما قال فيها الشاعر حافظ ابراهيم:

وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية ً              وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة ٍ         وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ

أنا البحر في أحشائه الدر كامن            فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

ولكن لا تنسى ما ورد في الأثر وإن كان ضعيفاً "ليستِ العربيةُ بأبٍ لأحدٍ منكم أو أمٍ، وإنما هي اللسانُ، فمن تكلَّم العربيةَ فهو عربي"، فصاح مهلِّلاً مُعَبِّراً عن فَرَحِهِ: أنا عربي إذن، أنا عربي، وللحظاتٍ سكتَ..، فظننتُ أنَّهُ تحسَّر على لُغتهِ التركية، ولكنَّهُ أتبعَ سكوتهُ قائلاً: ولكن يا أستاذ كيف أتعلَّمها بشكلٍ جيدٍ؟ فأنا لا أعرفُ كما تعرفون فكيف السبيل؟

وهُنا كانتْ المهمةُ صعبةً عليَّ، رغم أنِّي تعلَّمتُ اللغةَ الانكليزيةَ في الفترة الجامعية وتعلَّمتُ اللغة التركية في فترة الدراسات العليا، وتخرجتُ من قسم اللغة العربية ولم يخطر ببالي يوماً ما  كيف أُعَلِّمُ العربية كما تعلَّمتُ باقي اللغات الأخرى!، راجعتُ نفس لبُرهةٍ، وفتحتُ العَنان لذاكرتي برجوع إلى الوراء، فكان جوابي - بأسطر قليلة رغم اتساع الموضوع وتشابكه- قائلاً:

أولاً: من أَحَبَّ الشيء تعلَّمهُ وأتقنهُ، وأنتَ تحبُّ اللغة العربية.

ثانياً: الصبرُ مِفتاحُ العملِ كما يقولون، والهمةُ والعزمُ مِفتاحُ النجاحِ كما وجدتُ.

ثالثاً: ثم لا تنسى التلفاز في وقت الفراغ والمتعة، وأفضل ما أنصحك به هو مشاهدة قنوات الجزيرة للأطفال وأهمها في رأي قناة (ج) فهي من أروع القنوات الهادفة التي تُعلِّم العربية بطريقة ذكية وممتعة.

رابعاً: لا سبيل إلى تعلمكَ اللغة العربية إلا بمعرفتكَ بلغة العصر الجديدة، فالحاسوبُ هذه الأيام هو عصب الحياة، حيثُ أصبح بإمكانك مشاهدة الدروس والمحاضرات من خلال مِنَصَّاتِ التعليم المتوفرة بشكل مجاني، ولي في ذلك تجربة في دروس القواعد للناطقين بغير العربية تستطيع الاطلاع عليها والاستفادة منها.

خامساً: اقرأ كلَّ يومٍ عشر دقائق بهذه اللغة، فهي طريقة ثابتة تصقلُ المعلومات وتعزِّزها في عقلك اللاواعي.

سادساً: لا تنس القواعد العربية، فهي وراء السر في اتقان اللغة وحسن استخدامها، ولا يغيبُ عنكَ تَعلُّم بعض الأشعار وتكرارها، فهي تُنمي السليقة لديك وترفع من ذخيرتك اللغوية.

 

خرج الطالبُ فرحاً مزهُوّاً بتلك النصائح، وفو الله وجدتُ فيه تلك الحماسة التي ما إن وزِّعتْ على أهل العربية لأنقذتهم من شتاتهم وتشرذمهم، وأدركتُ حينها مدى قُصورنا في خدمة اللغة العربية وتعليمها. وأذكر مرة حين كنت أشاهد إحدى المحاضرات للدكتور ذاكر نايك الغني عن التعريف، سأله أحد الحضور باللغة الإنكليزية وهو عربي يعرف اللغة العربية جيِّداً، قائلاً: لماذا لا تعرف اللغة العربية يا دكتور؟ فأجابه بعبارة بليغة أسكتته قائلاً: بسببكَ أنتَ، فأنا عندما ذهبتُ إلى أمريكا علَّموني اللغة الانكليزية ولكنني عندما ذهبتُ إلى إحدى البلاد العربية لم أتعلَّم شيئاً.

Paid banner

https://arabicglobal.org/